حسناء ديالمة
247
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
فالمراد بالتفكر في اللّه ، النظر إلى أفعاله وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه ، فإنها تدلّ على كمال علمه وحكمته . ولا شك أن كثرة التدبر في آيات اللّه تؤدي إلى تفتيح الأذهان وتوسيع الأفكار والمعارف الصحيحة ما لا يمكن الوصول إليه بدون ذلك . وهذا التفكير وسيلة العقل في فهم قوانين الحياة وعلل الكون وسنن اللّه في خلقه ، على هذا حث الصادق تلاميذه بالتفكر والتأمل في ما دعا اللّه عباده إليه ، من آيات القرآن الكريم وآيات كونه العظيم والنفس البشرية ، التي تنتج عنها تقوية الإيمان باللّه وحده . فنشير إلى أهم مجالات التفكير عند الصادق : * النظر في حكمة الكون ومخلوقاته : إنّ النظر والتبصر الدقيقين والتفكر الواعي في الظواهر الكونية يعتبر وسيلة رئيسة في تربية الفكر الإنساني وتكوين العقلية العلمية التي لا تقبل نتائج بدون مقدمات ، لقد سلك الإمام الصادق مسلك القرآن في دعوته إلى التفكير في الآفاق والأنفس واستخلاص الدروس والعبر منها . فهذه هي « الدعوة الواثقة بالحقيقة الكامنة في كل ما في السماوات ، وفي كل ما في الأرض التي لا تتطلب من الإنسان إلا أن ينظر ويتطلع ويفكر من دون حاجة إلى جهد كبير وأخذ ورد » « 1 » . فزخرت رسالة التوحيد التي أملاها على تلميذه مفضل بن عمرو بالدعوة إلى التفكير في أسرار الكون بعبارات مختلفة مثل : تأمل ، . . . فكّر . . . واعتبر وانظر وغير ذلك . والمتأمل في أبعاد مدرسة الصادق يلاحظ المزيد من الاهتمام بالتربية العقلية وتوجيهها التوجيه السليم نحو تدبّر نواميس الكون وتأمل ما فيها من دقة وارتباط . فالكون عنده مادة حية للتفكير الذي يؤدي بأقرب طريق إلى الإيمان بوجود اللّه . وكما أن القرآن لا يقتصر على دعوة الإنسان للتفكير في ذلك كله بل يحاول أن يخطو به الخطوات الأولى في هذا السبيل ، ويدله على بدايات الطريق ، فنرى الإمام يبين كثيرا من الأسرار الكبيرة التي تكون في نطاق الكون ، ويذكر تفاصيل خلق الإنسان وأحوال السماء ، والأرض ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، والفلك ، والليل ، والنهار ، كذلك أسرار حياة الحيوانات لحثهم على التفكّر والتعقّل واستخدام طاقات عقلية كما يقول لتلميذه مفضل في هذا الصدد : « لألقينّ إليك من حكمة الباري جل وعلا وتقدس اسمه - في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوامّ وكل ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر
--> ( 1 ) محمد حسين فضل اللّه ، الحوار في القرآن ، مطبعة الصدر ، 1418 ، ص 110 .